يوسف بن يحيى الصنعاني

185

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

فأسقطوا وتبدّد نظامهم ، وصار العساكر أتراكا وفراعنة ومغاربة ، ولم يكن من تقدّمه من بني هاشم أسقطهم ، وأما بنو أميّة فكانت دولتهم عربيّة محضة . وقال الثعالبي في « المضاف والمنسوب » عند ذكر القاضي يحيى بن أكثم « 1 » المشتهر بحبّ الغلمان : أنّ المأمون اقتدى به فاستكثر من شراء الغلمان الأتراك حتى ولي المعتصم فلم يبق ولم يذر ، وبلغ خصيانه ثمانية عشر ألفا ، وكان من الأتراك أمراء كبار كبغا الكبير وبغا الصغير وباغر وأمثالهم ، فلمّا تغيّر المنتصر على أبيه وكان المتوكل قد قتل بعض عظمائهم وأوحشهم فدبّر بغا الصغير في قتله تدبيرا تمّ له ، وكان المتوكل قد أهدى له الصمصامة سيف عمرو بن معدي كرب فاستلّه وأعجبه جوهره وقال : ينبغي أن أعطي هذا السيف غلاما شجاعا يقف به على رأسي إذا قعدت للناس ، فدخل باغر فقال هذا له فأعطاه فلم يسلّه إلّا لقتله ، ولما أراد بغا قتل المتوكّل استدعى باغرا فخلى به وقال : إني أردتك لأمر عظيم ، وبغا يومئذ أميرهم ، فقال باغر : لو أمرتني أن أتكىء على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري لفعلت فشكره وقال : قد صحّ لي أن بغا الكبير يدبّر على قتلي وأحبّ أن تقتله فأستريح منه ، قال باغر : هذا هيّن ، قال : فإنه سيدخل عليّ يوم الخميس فكن حاضرا فمتى أشرت إليك فأضربه ، وحضر باغر ينتظر الإشارة فلم يشر إليه حتى خرج فقال له باغر : أني رجوت رجوعه إلى الصلاح وما رأيت أن أقتل منّا عظيما ، ثم مكث حينا فاستدعى به وقال : ان ابني يونس تغيّر عليّ وأحبّ أن تقتله وفعل كفعله الأوّل ، فلما خرج قال : إنه ولدي وأشفقت عليه وتركه أياما واستدعاه ، وقال : أردتك لأمر عظيم ، قال باغر : قد أخبرتك بطاعتي في كلّ ما تريد ، قال المتوكّل : قد ترى سوء صنيعه معنا وقبح فعله ، وأحب أن تريحنا منه فأنظر كيف تجد نفسك فأطرق ساعة ثم قال : أقتله ، ولكن كيف لي به وعليه الحجاب والحرس ؟ قال : تمهله حتى يدخل الليل ويخلو للأنس وإنّما الحجاب منّا ، وكان ذلك في نصف رمضان ، فلمّا انتصف شوال هجم باغر نصف الليل في عصابة من الأتراك والسيوف بأيديهم مسلولة ، وجاؤوا من باب الحرم ، وكان المتوكّل يشرب وقد أخذ منه السكر ومعه الوزير الفتح بن خاقان والندماء والمغنون والبحتري الشاعر حاضر ، وأقبلوا نحو المتوكل وهو على السّرير يقدمهم

--> ( 1 ) مرت ترجمته بهامش سابق .